رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الطيب: أعداء الإسلام استغلوا المسائل السياسية لضرب وحدة المسلمين

ستوديو

قال فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إن قلة التكاليف دعوة للاتحاد والقوة في كل ‏المجتمعات الإسلامية، وهما مقصدان أساسيان من‎ ‎مقاصد ‏الإسلام؛ فقلة التكاليف تفتح الباب للتنوع والتكامل ‏والاجتهاد والرأي، وفي الوقت ذاته تضيق ‏مساحات الاختلاف‎ ‎المؤدي إلى التعصب‎ ‎والتشدد، وما يتبع ذلك من ‏انقسامات تبدو معها الأمة ‏وكأنها أمة ذات دينين أو أديان مختلفة، وهذا ما حثنا عليه رسولنا الكريم، حيث قال: "اقرأوا ‏القرآن ما ‏ائتلفت قلوبكم، فإذا اختلفت فقوموا عنه"، وكأنه صلى الله عليه وسلم يفضل‎ إلغاء تلاوة القرآن‏ ‎-‎مع عظيم ‏فضلها ومنزلتها‎ ‎عند الله- إذا أدت هذه التلاوة إلى نزاع واختلاف في‎ ‎القراءة أو في ‏التفسير، وقد أكد‎ ‎على هذا المعنى ‏في حديث آخر يقول فيه: ‏‎"‎إنما هلك من‎ ‎كان قبلكم بالاختلاف ‏في‎ ‎الكتاب"، وأصل ذلك كله في‎ ‎قوله تعالى:‏‎ ‎ولا ‏تكونوا كالذين تفرقوا‎ ‎واختلفوا من بعد ما ‏جاءهم‎ ‎البينات وأولئك لهم عذاب عظيم.‏

وأضاف، خلال الحلقة العاشرة من برنامجه الرمضاني «الإمام الطيب» الذي يذاع ‏للعام الخامس، أن القارئ ‏والمتأمل في قصة موسى وأخيه هارون، يجد أن أولوية الألفة والاجتماع قد تسبق- في بعض ‏الأحوال-‏‎ ‎أولوية الإيمان ‏بالله تعالى؛‎ ‎وقد قص علينا القرآن الكريم أن موسى عليه السلام حين ‏ذهب لمناجاة ربه، وترك أخاه هارون مع قومه، ‏حدث أن‏‎ ‎ارتد هؤلاء القوم عن دين التوحيد، ‏فلما رجع موسى إليهم غضبان أسفا، مما‎ ‎أحدثوا من الردة ومن عبادة ‏الأصنام، ألقى الألواح ‏من الغضب، وأخذ برأس ‎هارون يجره إليه، ووجه إليه اللوم والعتاب‎‏ لبقائه‎‏ مع هؤلاء‎ ‎المرتدين وما ‏الذي منعه‎ ‎من أن يتركهم ويلحق به؟‎ ‎وكان جواب هارون لموسى‎ -‎عليهما ‏السلام-: خشيت‏‎ ‎إن تركتهم أن يتفرقوا‎، ‏وكأن هارون عليه السلام وازن بين ضررين؛ بقائه‎ ‎مع ‏قومه على شركهم،‎ ‎أو فراقه للمشركين‎ ‎وما يترتب عليه من تفرقهم ‏وتبددهم إن هو تركهم‎ ‎والتحق بأخيه‎.‎
 
وبيّن شيخ الأزهر أن سيدنا هارون- عليه السلام‎-‎‏ آثر الأولى على الثانية؛ بما يعني أن الفرقة‎ ‎والتنازع والاختلاف لا ‏‏شك أشد ضررًا وأسرع تأثيرًا في‎ ‎تدمير المجتمعات وتقويض‎ ‎بنيان الجماعات من تأثير‎ ‎الوثنية ‏والشرك، ‏‎‏موضحًا أن هناك ‏مقايسة بين ضرر‎ ‎الشرك وما ينشأ من الاختلاف‎ ‎والتفرق، ‏وما قرره العلماء‎ ‎من أن الضرر الأول "الشرك" أهون من ‏الثاني" الاختلاف والفرقة"؛ مبينًا أن العلة في ذلك أن الشرك وإن كان شرًا ‏مستطيرًا، إلا أنه لا يستعصي على‎ ‎الهداية، ‏والعودة إلى الإيمان‎ ‎بالله تعالى، بدليل أن كثيرًا من‎ ‎الأمم والشعوب تحولت‎ ‎على أيدي الأنبياء من‎ ‎ظلمات الشرك‎ ‎إلى نور ‏الإيمان، وذلك بخلاف ‏مرض الفرقة والتنازع، وما ينتهيان إليه من فشل لا يُرجى معه أي أمل في علاج أو إصلاح‎، ‏معتبرًا من قوله صلى الله عليه‎ ‎وسلم: "دب إليكم داء‎ ‎الأمم قبلكم؛ الحسد والبغضاء، هي ‏الحالقة، لا أقول تحلق‎ ‎الشعر، ‏ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى ‏تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، فلا أنبئكم بما يثبت ذلك ‏لكم؟‎ ‎أفشوا السلام بينكم‎"‎‏.‏

وحذر فضيلة الإمام الأكبر من خطر الاختلاف في المسائل الدينيَّة في حياة المسلمين المعاصرة، ليس على وحدة مجتمع أو ‏مجتمعين، بل على وحدتهم في العالم كله، موضحًا أن المتدبر فيما أصابنا في قرننا هذا كان بسبب استغلال لخلافات بين ‏المسلمين موجودة منذ أن ظهر الإسلام، ولكن فجأة اشتعلت هذه الخلافات وأصبح كل أتباع مذهب يكفر ويريد أن ‏يريق دماء المذهب الآخر، مشيرًا إلى أن الباحث عن أسباب إراقة الدماء في أي بلد عربي لن تجد وراءه سببًا ظاهرًا إلا ‏أن هذا على مذهب كذا وهذا على مذهب كذا، مع العلم أن هذا المذهبان عاشا في كنف الإسلام خمسة عشر قرنًا.‏